صفي الرحمان مباركفوري

114

الرحيق المختوم

( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ) . فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا ، يقال له عداس ، وقالا له : خذ قطفا من هذا العنب واذهب به إلى هذا الرجل . فلما وضعه بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مد يده إليه قائلا : « باسم اللّه » ، ثم أكل . فقال عداس : إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أي البلاد أنت ؟ وما دينك ؟ » قال : أنا نصراني ، من أهل ( نينوى ) . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ! » قال له : وما يدريك ما يونس بن متى ؟ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبي » ، فأكب عداس على رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويديه ورجليه يقبلها . فقال ابنا ربيعة أحدهما للآخر : أما غلامك فقد أفسده عليك . فلما جاء عداس قالا له : ويحك ما هذا ؟ قال : يا سيدي ، ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل ، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي ، قالا له : ويحك يا عداس ، لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه . ورجع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في طريق مكة بعد خروجه من الحائط كئيبا محزونا كسير القلب ، فلما بلغ قرن المنازل بعث اللّه إليه جبريل ومعه ملك الجبال ، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة . وقد روى البخاري تفصيل القصة - بسنده - عن عروة بن الزبير ، أن عائشة رضي اللّه عنها حدثته أنها قالت للنبي صلى اللّه عليه وسلم : هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟ قال : « لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت - وأنا مهموم - على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب - وهو المسمى بقرن المنازل - فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني ، فقال : إن اللّه قد سمع قول قومك